صديق الحسيني القنوجي البخاري
447
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكلمة على الكلام ، والأول سائغ في مقام التفسير كما هنا . والثاني سائغ في اللغة . وقيل الضمير عائد إلى الإجابة أي أسر يوسف عليه السلام إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر . وقيل أسر في نفسه قولهم إن يسرق الخ . وهذا هو الأولى ويكون معنى ولم يبدها لهم أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بأن يذكر لهم صحتها وبطلانها . وجملة : قال أنتم شرّ مكانا مفسرة على القول الأول ومستأنفة على القولين الأخيرين كأنه قيل فماذا قال يوسف عليه السلام لما قالوا هذه المقالة ، أي أنتم شر موضعا ومنزلا ممن نسبتموه إلى السرقة ورميتموه بها وهو بريء فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف عليه السلام في الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم ، ولم يكن من يوسف عليه السلام سرقة حقيقية . ثم قال وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام وأنه لا حقيقة لذلك . ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين ويكون معهم ويرجعون به إلى أبيهم لما تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أي لبنيامين هذا أَباً متصفا بكونه شَيْخاً كَبِيراً في السن لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه ، وقيل كبيرا في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء وفيه بعد ظاهر ، والأول أولى فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يبقى لديك فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا ، فلا يتضرر بفراق أحدنا كما يتضرر بفراق بنيامين . ثم عللوا ذلك بقولهم إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى الناس كافة ، وإلينا خاصة فأتم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب ، فأجاب عليهم يوسف و قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي نعوذ باللّه معاذا فهو مصدر ، والمستعيذ باللّه هو المستعصم به أَنْ أي من أن نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتمونا بقولكم جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ولم يقل « من سرق » تحرزا عن الكذب لأنه يعلم أن أخاه ليس بسارق . وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلا ، ولعل اللّه أمر يوسف عليه السلام بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ، ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر ، قاله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب . وجزم صاحب الكشاف بأن هذه الواقعة كانت بوحي كما مرّ مرارا إِنَّا إِذاً أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لَظالِمُونَ في دينكم وما تقتضيه فتواكم . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 80 إلى 83 ] فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 80 ) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ( 81 ) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 ) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 )